بعد سبعة عشر عاماً من الغياب عن أعلى المستويات، يعود العالم إلى دمشق. وصل أنطونيو غوتيريش يوم السبت 25 يوليو 2026 إلى سوريا في أول زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى العاصمة منذ زيارة بان كي مون في عام 2009. الرمز كبير: تأتي هذه الزيارة بعد أكثر من خمس عشرة سنة من الحرب، ومئات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، وقريباً من عامين بعد سقوط بشار الأسد.
استقبله الرئيس السوري أحمد الشعار، ودعا رئيس الأمم المتحدة المجتمع الدولي إلى دعم الشعب السوري في لحظة يعتبرها حاسمة. كما أكد على سيادة البلاد، وحماية المدنيين، وضرورة وجود انتقال شامل. هذه الزيارة لا تمحو الانقسامات في سوريا، لكنها تؤكد أن البلاد لم تعد تُعامل كإقليم مجمد دبلوماسياً.
صورة كانت سوريا تنتظرها منذ عام 2009
كانت آخر زيارة لأمين عام للأمم المتحدة إلى دمشق تعود إلى زمن آخر. في عام 2009، التقى بان كي مون بشار الأسد، قبل عامين من الانتفاضة في عام 2011 والسلسلة من الأحداث التي حولت البلاد إلى ساحة معركة إقليمية ودولية. منذ ذلك الحين، أصبحت سوريا رمزاً لجيل ضحى به الحرب، والنفي، والعقوبات، والتدخلات الأجنبية، والانهيار الاقتصادي.
إن وجود غوتيريش في مسجد الأمويين وفي المدينة القديمة في دمشق ينتج بالتالي صورة سياسية قوية. إنها تظهر عاصمة تسعى لاستعادة مكانة مؤسسية في العالم. كما تقدم لأحمد الشعار اعترافاً يحتاجه حكومته لإقناع الشركاء الأجانب بأن سوريا الجديدة يمكن أن تصبح طرفاً مستقراً.
لكن الصورة التاريخية لا تعني بعد العودة إلى الوضع الطبيعي. يجب قراءة زيارة الأمين العام كفتح مشروط. تتوقع الأمم المتحدة من السلطات السورية أن تضمن حقوق جميع المجتمعات، وأن تعزز سيادة القانون، وأن تمنع العنف السياسي أو الطائفي من إغلاق النافذة الدبلوماسية.
غوتيريش يدعو العالم إلى عدم التخلي عن السوريين
الرسالة المركزية للزيارة موجهة بقدر ما إلى العواصم الأجنبية إلى القادة السوريين. بعد سنوات من الأزمة، تتجاوز إعادة الإعمار بكثير القدرات المالية لدمشق. تشمل الاحتياجات الإسكان، والمستشفيات، والمدارس، والمياه، والكهرباء، والطرق، والوظائف. بدون دعم خارجي، سيبقى عودة ملايين اللاجئين والنازحين أمراً بالغ الصعوبة.
لذا، يطلب غوتيريش من المجتمع الدولي تحويل التصريحات الداعمة إلى وسائل ملموسة. القضية ليست إنسانية فقط. قد تبقى سوريا بلا آفاق اقتصادية بؤرة لعدم الاستقرار، مما يغذي هجرات جديدة ويقدم أرضاً للجماعات المسلحة. على العكس، يمكن أن تخلق إعادة الإعمار المنظمة مصلحة مشتركة بين أوروبا، والدول العربية، وتركيا، والمؤسسات متعددة الأطراف.
ومع ذلك، تطرح هذه المعادلة سؤالاً حساساً: كيف يمكن تمويل إعادة الإعمار دون منح شيك على بياض للسلطة؟ ستطلب الحكومات الغربية والممولون ضمانات بشأن الشفافية، واستخدام الأموال، وأمن السكان، وتمثيل الأقليات. يمكن أن تساعد زيارة غوتيريش في بناء هذا الجسر، لكن الأمم المتحدة لا يمكنها أن تحل محل القرارات السياسية للدول.
السيادة السورية في قلب الصراع الإقليمي
كما أدان رئيس الأمم المتحدة الأعمال الإسرائيلية في جنوب سوريا وذكر بأهمية السيادة وسلامة أراضي البلاد. تعطي هذه النقطة للزيارة دلالة تتجاوز إعادة الإعمار. تبقى سوريا عند تقاطع التنافسات العسكرية، والدبلوماسية، والطاقة التي تشمل جيرانها والعديد من القوى الكبرى.
تجعل التوترات في الجنوب، ووضع المناطق الكردية في الشمال الشرقي، وخطر عودة الجماعات الجهادية، ووجود المصالح الأجنبية أي استقرار هش. تريد دمشق استعادة السيطرة على أراضيها. يريد الشركاء الدوليون تجنب أن تؤدي المركزية القاسية إلى مواجهات جديدة. سيكون من الصعب إيجاد التوازن.
من خلال اختياره للحديث عن الدعم الدولي والسيادة في آن واحد، يحاول غوتيريش الحفاظ على مطلبين معاً: مساعدة سوريا على إعادة الإعمار، دون إغماض العين عن حقوق الإنسان والأمن الإقليمي. إن هذا الخطاب المزدوج هو ما يمنح حضوره وزناً. لا يتعلق الأمر بالاحتفال بلا حدود ولا مجرد زيارة إنسانية.
أحمد الشعار يلعب دوراً حاسماً
بالنسبة للرئيس أحمد الشعار، تمثل هذه الزيارة انتصاراً دبلوماسياً، لكنها أيضاً اختبار. تسعى سلطته لإقناع الجميع بأنه يمكنه حكم بلد متعدد، ونزع سلاح الفصائل، واستعادة الخدمات العامة، وإعادة الاتصال بالاقتصاد العالمي. كل تقدم دولي يعزز شرعيته. كل عنف محلي أو انحراف سلطوي يمكن أن يبطئ بدوره عملية التطبيع.
تضع اللقاء مع غوتيريش الوعود السورية تحت ضوء عالمي. ستعتبر القرارات التي ستتبع أكثر أهمية من البروتوكول: وصول المنظمات الإنسانية، وحماية الأقليات، والعدالة للجرائم المرتكبة، والعودة الطوعية والآمنة للاجئين، والحوار مع المناطق المتنازع عليها، ومكافحة الفساد.
يجب على الحكومة السورية أيضاً تلبية توقعات شعب مرهق. لن يقيم الكثير من السوريين هذا التحول بعدد الوفود المستقبلة، بل بتوفر الكهرباء، وسعر الخبز، وإعادة فتح المدارس، وإمكانية العيش دون خوف. لن تصبح الدبلوماسية ذات مصداقية إلا إذا أنتجت آثاراً مرئية في الحياة اليومية.
لماذا يمكن أن تغير هذه الزيارة مسار البلاد
يمكن أن تفتح زيارة غوتيريش ثلاث أبواب. الباب الأول إنساني: يعيد الاحتياجات السورية إلى الواجهة بينما تتوزع الانتباه العالمي بين عدة أزمات. الباب الثاني اقتصادي: يمكن أن تسرع المناقشات حول المساعدات، والعقوبات، وآليات إعادة الإعمار. الباب الثالث سياسي: تسجل الاتجاه السوري الجديد في حوار دولي أكثر تنظيماً.
لا تضمن أي من هذه الأبواب النجاح. الصدمات عميقة، والبنية التحتية مدمرة، والثقة شبه معدومة. ومع ذلك، فإن عودة أمين عام للأمم المتحدة إلى دمشق تشكل علامة تاريخية. لأول مرة منذ بداية الحرب، لم تعد القضية المركزية تتعلق فقط بكيفية احتواء الكارثة السورية، بل بكيفية بناء ما بعد ذلك.
ينظر العالم الآن إلى ما ستفعله دمشق بهذه الفرصة. إذا استجابت السلطات من خلال الشمولية، والأمن، وإصلاحات موثوقة، يمكن أن تبقى 25 يوليو 2026 كتاريخ لعودة حقيقية. إذا استؤنفت الممارسات القديمة، فلن تكون الصورة التاريخية سوى قوس. زيارة غوتيريش لا تغير بمفردها مصير سوريا، لكنها تمنحها فرصة لا يمكن لأحد تجاهلها.
مصادر موثوقة
- أسوشيتد برس — زيارة أنطونيو غوتيريش إلى دمشق ودعوة للدعم الدولي، 25 يوليو 2026.
- رويترز — أول زيارة لرئيس الأمم المتحدة إلى سوريا منذ عام 2009، 25 يوليو 2026.
- الأمم المتحدة — الجدول الرسمي للأمين العام، 24-27 يوليو 2026.
- يورونيوز — دعوة عالمية من أجل سوريا خلال الزيارة إلى دمشق، 25 يوليو 2026.

